عبد المنعم النمر

72

علم التفسير

فالعرب الذين نزل عليهم لم تكن الكتابة والقراءة منتشرة عندهم انتشارها عند الأمم المتحضرة حولهم ، وبالتالي لم يتمكنوا من دراسة العلوم التي كانت معروفة عند غيرهم من الفرس أو الروم في ذلك الوقت ، فكان كل ما يتناقلونه بينهم من الطب والفلك وغيرهما ، لا يمكن تسميته علوما إلا تجاوزا ، لأنه كان مكتسبا عن طريق تجاربهم وملاحظاتهم الخاصة . المنبعثة من البيئة وحاجاتها وظروفها . مما يعينهم على حياتهم البدوية ، من الاستدلال بالنجوم على معرفة الجهات ، وعلى تعيين الوقت ، كما قال اللّه « وعلامات وبالنجم هم يهتدون » وما كانوا يداوون به مرضاهم بطريق التجربة ، والتناقل فيما بينهم ، مما يمكن أن تجد له شبيها الآن في البيئات البعيدة ، المنعزلة عن المدينة ، المحرومة مما وصل إليه العلم من تقدم . . على أن هذه المعرفة المحدودة لم تكن عامة شائعة لدى العرب جميعا ، بل كانت قاصرة على بعضهم أو خاصتهم ، ممن كانت الحاجة تدعوهم إلى معرفتها ، ولعل هذا الوصف ( الأمية ) قد غلب على العرب ، حتى لم ير الرسول بدا من الاحتجاج به عند ربه ، وهو يخاطب جبريل كما في الحديث السابق ، كما صرح به أيضا ، وهو بصدد معرفة أيام الشهر . . ولهذا جرى على لسان اليهود حين قالوا : ( لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) يقصدون في كلامهم هذا . . العرب ، وإن كان هذا مبدأ عاما عندهم في معاملة غير اليهود ، لا يرون بأسا في نهب أموالهم . . لكن الآية تحكى حال اليهود الذين يعاملون العرب ، ويطلقون عليهم هذا الوصف ( الأميين ) . . وكذلك كان لهم بالنسبة لتاريخ الأمم قبلهم مما قصه القرآن ، فلم يكن لهم به معرفة سابقة ، وذلك هو ما تخبر به هذه الآية الكريمة بعد أن سبقها ذكر قصة نوح ( تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) « 1 » ، وفي قصة مريم وزكريا : ( ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ

--> ( 1 ) آية 49 من سورة هود .